ابن أبي الحديد

277

شرح نهج البلاغة

يا قوم ، دعوهم لا تتبعوهم ، يا قوم دعوهم لا تتبعوهم حتى نصبحهم . قال : فكففنا عنهم وليس شئ أحب إلينا من أن ينصرفوا عنا . قال فروة بن لقيط الخارجي : فلما انتهينا إلى الجسر ، قال شبيب : اعبروا معاشر المسلمين فإذا أصبحنا باكرناهم إن شاء الله تعالى ، قال : فعبرنا أمامه ، وتخلف في آخرنا ، وأقبل يعبر الجسر ، وتحته حصان جموح ، وبين يديه فرس أنثى ماذيانة ، فنزا حصانه عليها وهو على الجسر ، فاضطربت الماذيانة وزل حافر فرس شبيب عن حرف السفينة ، فسقط في الماء ، فسمعناه يقول لما سقط : ( ليقضى الله أمرا كان مفعولا ) ( 1 ) واغتمس ( 2 ) في الماء ثم ارتفع فقال : ( ذلك تقدير العزيز العليم ) ( 3 ) ثم اغتمس في الماء ، فلم يرتفع . هكذا روى أكثر الناس . وقال قوم : إنه كان مع شبيب رجال كثير بايعوه في الوقائع التي كان يهزم الجيش فيها ، وكانت بيعتهم إياه على غير بصيرة ، وقد كان أصاب عشائرهم وساداتهم ، فهم منه موتورون ، فلما تخلف في أخريات الناس يومئذ ، قال بعضهم لبعض : هل لكم أن نقطع به الجسر ، فندرك ثأرنا الساعة ! فقالوا : هذا هو الرأي ، فقطعوا الجسر ، فمالت به السفينة : ففزع حصانه ونفر ، فسقط في الماء وغرق . والرواية الأولى أشهر ، فحدث قوم من أصحاب سفيان ، قالوا : سمعنا صوت الخوارج يقولون : غرق أمير المؤمنين ، فعبرنا إلى عسكرهم ، فإذا هو ليس فيه صافر ( 4 ) ولا أثر ، فنزلنا فيه ، وطلبنا شبيبا حتى استخرجناه من الماء ، وعليه الدرع ، فيزعم الناس أنهم

--> ( 1 ) سورة الأنفال 42 ( 2 ) الطبري : ( ارتمس ) ، وهما بمعنى . ( 3 ) سورة يس 38 ( 4 ) هو مثل ، يقال : ( ما بالدار من صافر ) أي أحد .